مقالات

        ... ارسل الى صديق      ... نسخة للطباعه    
 
سذاجة أم تقصير؟

 


رزان زعيتر - 05/08/2009

من السذاجة أن يؤخذ حدث حرق الأشجار في منطقة المنشية وقاص على الحدود الأردنية الفلسطينية من قبل العدو الصهيوني بمعزل عن حوادث الحرق الممنهجة و المتعمدة لأشجار الوادي الأردني التي تحدث بشكل سنوي تقريبا. من السذاجة أن لا يُستنتج أن هناك خطة مبيته للقضاء على الزراعة على كامل الحدود الأردنية على ضفتي النهر عبر و سائل شيطانية متعددة، و لا يمكن أن نرى هذه الجريمة كحادث عرضي أو منفصل عن إستراتيجية موجهة ضد المزارعين في وادي الأردن بشكل خاص و ضد الأردن بشكل عام. و من ضمن تلك الوسائل إطلاق الخنازير البرية المتعمد لتغزو المزارع الأردنية و الفلسطينية و تعيث بها خراباً. وحين استفسرت عن كيفية حماية العدو لمزارعه من هذه الآفة التي هو مسؤول عنها و مطلقها، فهمت أن المزارع الإسرائيلية مسيجة بالكامل، أما المزارع الفلسطينية و الأردنية فهي مباحة للحرق و التجريف و لشهية الخنازير.و تأتي بعض هذه الوسائل الشائنة عبر ضغوطات بعض المانحين أيضا كوكالة الدعم الأمريكي التي تحاول دائما التبشير بضرورة إيقاف الزراعة بوادي الأردن بحجة حماية موارد المياه و بحجة قلة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي متغاضين عن عامل الأمن الغذائي و عامل الظلم الواقع على مياه الأردن في اتفاقية وادي عربة. و لا نسمع الجانب الأمريكي يطلب من إسرائيل تخفيف زراعتها، بل نسمع عن ضرورة فتح أسواقنا لمنتوجاتها على مصراعيها.

إن هذه الحملة الممنهجة المتخفية بقناع من السلام و التطبيع على شرق النهر تندلع بلا قناع ضد الأشجار و الزراعة في غربه. ففي فلسطين انتبهنا و منذ مطلع هذا القرن أن حملة قلع الأشجار تتم بطريقة حثيثة و ممنهجة أيضا. ففي عام ألفين كان المقتلع مائتي ألف شجرة منذ اتفاقية أسلو و بقيت الإعداد تتزايد حتى وصلت ألان إلى مليون و نصف المليون شجرة عدا ما اقتلع في غزة في الهجمة الإجرامية الأخيرة و يصل إلى نصف مليون شجرة. ففي غزة مثلا يوجد 185 ألف دونم زراعي كانت تساهم في السبعينيات و الثمانينيات بثلاثين في المائة من إجمالي الناتج المحلي انخفض الآن إلى 7.7% حيث تبلغ نسبة الاعتماد على المعونات الغذائية 75% و نسبة البطالة 75% و يعيش 50% الآن تحت خط الفقر المدقع و يعاني 40 % من سوء التغذية المزمن.

 و كما يقول الخبير التنموي من الإغاثة الزراعية في غزة المهندس أحمد سوراني فان التدمير الزراعي يطال بكثافة اكبر حدود قطاع غزة الشمالية و الشرقية و هو تدمير ليس عشوائي بل يهدف إلى القضاء عل سلة الإنتاج الزراعي و الحيواني لسكان غزة، كما أن هذه المساحات هي المنفذ الفعلي و الوحيد لأي تمدد سكاني وحضري متوقع في السنوات القريبة القادمة.

و هنا يجب القول أنها ليست سذاجة فقط و لكن يعد تقصيرا أن لا تدعم غزة و فلسطين دعما تنمويا موجها لإنقاذ زراعتها و أمنها الغذائي إذا لم نستطع تحريرها بالكامل !

و نعود للأردن فان الإستراتيجية الإسرائيلية واضحة نحو وادي الأردن فهي تصر على أن حدودها الأمنية ستكون على امتداد النهر و أن منطقة غور الأردن التي تشكل 30% من مساحة الضفة الغربية قد تم الإعلان عنها منطقة عسكرية مغلقة و أنشئ فيها حتى الآن 21 مستوطنة، و أنها تريد أن تتدخل في كيفية استعمال وادي الأردن على الجهة الأردنية و تطمح أن تكون شريكة في تنميته بالطريقة التي تراها مناسبة، و لقد سبق و تحدثنا في السنوات الماضية و في عدة منابر حول حرق الأشجار المتكرر و المتعمد في وادي الأردن ( و يمكن العودة لهذا في كشوف وزارة الزراعة ) و لم يكن لصرختنا أي صدى مع الأسف. نحمد الله اليوم على هذه الهّبة الضرورية للدفاع عن مزارعنا و أشجارنا و لكننا نتمنى أن تكون مواجهتنا مربوطة بدراسة السياسة العامة الإسرائيلية الفائتة و اللاحقة نحو وادي الأردن و ليس الاكتفاء فقط بطلب التعويضات، و نتساءل لو هبّت الأردن و أظهرت استياءها الشديد من الحرائق الأولى، هل كنا سنشهد هذه اللامبالاة و هذا الكم الهائل من الحرائق الجديدة؟  إن من الواضح أن إسرائيل تعمل على عزل المزارعين الفلسطينيين في غرب النهر عن إخوتهم في شرقه عبر بناء شريط مستوطنات ينمو بسرعة هائلة و يبدو هذا واضحا في المصادرة الممنهجة للأراضي و سيشكل جدارا بشريا استيطانيا يفصل وادي الأردن عن بقايا الضفة الغربية الممزقة بجدار الفصل العنصري كما أن تدميرها للمناطق الزراعية المحيطة لمدينة القدس امن لها طريق لتوسعة مستوطناتها و بالتالي عزل شمال الضفة عن جنوبها و عزل القدس الشرقية عن محيطها الحيوي.

و بعد كل ما قيل هل يقودنا المنطق و التجربة إلى استشراف الكابوس الذي يتمناه لنا الصهاينة ألا و هو أن تخلو مزارع غور الأردن و هي سلة الغذاء الأردني ليزيد اتكالنا على الاستيراد و لكي يصبح الوادي - لا سمح الله - في يوما ما مشاعا لمزيد من الاستيطان ؟


رجوع




 

 



 

Copyrights © 2003, Arab Group for the Protection of Nature .All rights reserved

Powered by ENANA.COM