مقالات

        ... ارسل الى صديق      ... نسخة للطباعه    
 
صور من الأبوية السياسة

 


استعمل " الأبوية" هنا خارج مفهومها التقليدي، وإنما مستعينة برمزية المعنى، وهو تنصيب فئه نفسها قائدة أو منظره عليا، مكتفية بتجاربها ومقتنعة بكون رؤيتها وتحليلها وحلولها هي الأنسب, و تتوقع من الآخرين الامتثال والطاعة والتقدير، وغالباً ما تضّيع هذه الفئات ومن يتبعها فرصة بناء مجتمعات ديمقراطيه وعادلة. وقد لا ننكر عليها حسن النية في كثير من الأحوال، وقد لا نحملها وحدها وزر أفعالها، ما دمنا جميعاً لم ننجح في إقناعها أن جزءاُ من واقع الأمة المحًنط، يعود لذلك الاستئثار بالحكمة والمعرفة، وصم الآذان عن رأي قد يزهر خارج مساحة رؤوسها. وللأبوية السياسية بشكلها الذي عنيت، صور عديدة نراها في جميع الأزمنة وفي كل المجتمعات.

جُبت في الشهر الماضي ثلاث عواصم لحضور أربعة مشاورات مهمة، اثنين في روما       وثالثتهما في بيروت والرابعة في دمشق .احدى ايجابيات هذه اللقاءات تنوع المشاركين وما يمثلونه من أطياف علمية وسياسية واثنيه واجتماعية وثقافية وعقائدية مختلفة، هذا التنوع هو مدرسة بالفعل لمن يريد ان يسمع و يتعلم. أما أهم إيجابياتها فهو عدم الاستسلام للأمر الواقع, ورفض القبول بالظلم, و توحيد الجهود لإحداث التأثير والتغيير. ما أقلقني في أربعتهم " أبويه مفروضة " بطريقة غير ديموقراطيه تقلل حتما من تحقيق نجاح مستدام عميق وملموس في شتى المجالات.

حضر الاجتماع الأول, وهو السنوي, للجنة الدولية للسيادة على الغذاء، ممثلين عن منظمات معنية بالزراعة و السيادة على الغذاء, من 31 دوله. بحثوا خلالها أزمة الغذاء و التغير المناخي ودور المشاركين والأولويات التي سيتعاونون على فرضها على الحاكمية الدولية, التي ما زالت حبيسة مصالح الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات العالمية العاملة بأمرتها، كمنظمة التجارة العالمية و البنك الدولي. ورغم أن هذه المواضيع توحد المجتمعات المدنية، إلا أن فئة قليلة من المجتمع المدني الأوروبي ولو عن حسن نية تحاول وبأبويه زائدة، السيطرة على بقية المشاركين من أنحاء المعمورة من خلال الاستئثار بوضع برنامج النقاش أو باختيار من يترأس الجلسات أو بتوجيه القرارات النهائية. فعندما طلبت إضافة موضوع الحروب والاحتلالات والأمن لغذائي. حاول المنظمون الأوروبيون والعضوه الأمريكية على ادراجه ضمن ملف الكوارث، فأسهبت في بيان الفرق بين الكوارث والحروب. ألكوارث لا يمكن التنبؤ بها أو منعها, وتنتهي بانتهاء السبب, كما أنها دائماً تحظى بدعم عالمي كبير حيث تتهافت الدول على إرسال معوناتها للمناطق المنكوبة ,بينما تطول اعمار الحروب والاحتلالات ولا من يهز رمشه لمساعدة من يعيش او يموت في ظلها، ضمن تغييب كامل لكافة القواعد والحقوق والمسؤوليات. إن المساعدة ودعم المزارعين في مناطق الحروب تحتاج إلى بناء مستمر لقدرات الشعوب للحفاظ على أمنها الغذائي وموارد عيشها مع الحاجة لمواثيق أخلاقيه تمنع استعمال الغذاء كسلاح حربي كما يحصل في حصار غزه. وقد اعترفت منظمة الزراعة أن مشاريع التنمية والاغاثه التقليدية لا تعطي نتائج ملموسة ويجب أن توضع برامج خاصة للبلاد التي تعيش تلك الظروف وسعدت ايضا أنها ستخصص تقريرها السنوي لعام 2010 لبحث هذا الموضوع.

الاجتماع الثاني كان حول مشاورات دعت لها منظمة الأغذية ايضا, تستهدف إصدار خطوط توجيهيه دوليه حول حوكمة نظم حيازة الأراضي وغيرها من الموارد الطبيعية مثل إمدادات المياه والثروات السمكية والمراعي والغابات وهو موضوع شائك وحساس خاصةً في البلاد النامية.

وكما يقول الخبراء فإن" ضعف الحوكمه يقف وراء العديد من المشاكل ذات العلاقة بحيازة الأراضي و الموارد، وأنَ ضمان الوصول إلى موارد الأراضي يظهر بالتأكيد كشرط أساسي لتحسين وضعية الأمن الغذائي في حالة بعضٍ من أفقر المجموعات السكانية في العالم. ومع أن أكثرية البلدان الأعضاء لدى المنظمة تملك قواعد لحماية المزارعين و رواد المراعي، ضد إخلاء أراضيهم قسراً أو مصادرتها اعتباطيا، فغالباً ما تهمل تلك القوانين أو تطلق تطبيقاً غير سليم و كالعادة يؤدي هذا الوضع إلى زيادة قدرة الأثرياء والأقوياء في السلطة على الاحتفاظ بحيازة الأراضي على حساب الفقراء والمجمعات السكانية الأضعف".

المريح في اللقاءين السابقين أن ممثلي دول الجنوب وقفوا إلى جانب اقتراحنا وأثنوا عليه وعرضوا مزيداً من الدعم لإيصال المزيد من أصوات المزارعين القابعين في ظل الحروب والإحتلالات إلى صانعي القرار والمنابر العالمية، فتحدثت ممثلة الهند عن قضايا كشمير وممثل صيادي الأسماك عن سيرلانكا وممثل مزارعي إفريقيا عن أهمية الموضوع لقارتهم والكثيرين غيرهم.

المشاورة الثالثة وقد عقدت في بيروت قد دعت لها المنظمة العالمية لدعم التنمية الزراعية       " إيفاد IFAD" لمناقشة دراسة الفقر في المناطق الريفية وسبل مواجهته وسماع رأي الخبراء العرب، وقد عزمت على إقامة أربع مشاروات في مناطق متفرقة من العالم للتداول مع علماء مهتمين بموضوع الأمن الغذائي والزراعة. إلى هنا الموضوع منطقي وعادل ، ولكن ما يقلق أن المكلفين بكتابة التقرير الأساسي، على كثرتهم، كلهم من شمال الكرة الأرضية (لم ألمح اسماً عربيا واحداً) وهم من فئة فكريه واحده، يعتمدون على فرضيات لا نوافق عليها بالأساس, فمثلاُ هم يعتقدون أن المشاريع الزراعية الكبيرة وزراعة الوقود الإحيائي والأنماط الإستهلاكيه المتزايدة، وزيادة العمالة المدفوعة الأجر في المشاريع الإستثماريه الزراعية التصديرية تساهم في خفض الفقر في المناطق الريفية , بينما نعتقد أن الأسواق المحلية التي تمكن المزارع الصغير من بيع محاصيله ومن الاكتفاء الذاتي هي الأقدر على محاربة الفقر في الريف. المهم أن المشاركين من منطقتنا العربية قد أبدعوا في بيان ضعف الدراسة وحاجتها إلى المزيد من المهنية والشفافية في التحليل والنصح.

المشاورة الرابعة وهي الأكثر قرباً من قلبي لكون محورها هو فلسطين, فقد كانت الأبوية فيها طاغية مع التأكيد أن ممارسيها هم مناضلون شرفاء مشهود لهم بالشجاعة والحكمة وصدق النوايا، ولكن مع هذا، فإن النوايا الطيبة والعمر المديد والخبرات الممتدة لا تكفي لكي تحول الفكر عملاً ناجحا مستداماً. إذا لم تكن شراكه حقيقية بين مختلف الأفكار والأعمار والخبرات التي تعمل ضمن ثوابت واحدة، فإن التغيير سيكون بطيئاً لا بل قد يكون عرضةً للفشل، النجاح يكون حتميا إذا احترمنا الماضي ولم نقع في أسره، إذا تعلمنا من أخطائه وتجاوزناه نحو المستقبل، إذا اهتممنا بالتخطيط الإستراتيجي الديناميكي, وتعلمنا من تجارب الشعوب الأخرى, معترفين بالحداثة وباهمية استخدام العلوم و التقنيات الحديثة، إذا تواضعنا والتحمنا بكل الطاقات المتوفرة. أتمنى أن نعي جميعاً أن الأبوية السياسية ساهمت في منع الكثير من المبادرات و البطولات والتضحيات الفلسطينية من الوصول بنفسها لتكون حركة تحرير مستدامة، وذلك طوال القرن الماضي وحتى اليوم وخاصة بعد ثورة 1936 وثورة 1965. لا بد ان يتغير هذا الواقع، مع الاطمئنان الكامل أن روح الأمة لن تموت, ودليل ذلك, نوعاً من التغيير الإيجابي في موازين القوى العالمية بتنا نلمسه مع متابعة التطورات في تركيا وإيران والمقاومة في لبنان وغزه.

 

رزان أكرم زعيتر

Info@apnature.org


رجوع




 

 



 

Copyrights © 2003, Arab Group for the Protection of Nature .All rights reserved

Powered by ENANA.COM