أصدرت المحكمة الشعبية الدولية من أجل فلسطين – حق المقاومة حكمها النهائي، بعد يومين من جلسات الاستماع وعرض الأدلة، معتبرة إسرائيل الفاعل الرئيسي لجرائم الإبادة الجماعية والإبادة البيئية والتجويع القسري بحق الشعب الفلسطيني في غزة، كما أدانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا والمجر وجهات أخرى بتهمة التواطؤ والمشاركة في تمكين هذه الجرائم عبر الدعم السياسي والعسكري واللوجستي.
وقائع الجلسات والأدلة المقدّمة
واستعرضت المحكمة في يومها الأول شهادات 11 خبيراً وشاهداً من منظمات حقوقية، وخبراء في القانون الدولي، ومسؤولين فلسطينيين، ووثّقت الأدلة على تدمير البيئة الطبيعية في غزة ومقومات الحياة الأساسية، بما يشمل تدمير الأراضي الزراعية والمياه الجوفية والمنشآت الحيوية وفرض حصار شامل يمنع توفير الغذاء والماء والدواء.
وفي اليوم الثاني، استمعت المحكمة إلى خمس شهادات إضافية أبرزت تعمّق الجرائم المرتكبة، خصوصاً استهداف النساء ومراكز الرعاية الصحية وحرمان السكان من الخدمات الطبية بهدف الحدّ من القدرة الديموغرافية للفلسطينيين. كما قدّم خبراء في البيئة والصحة أدلة قطعية على حدوث إبادة بيئية ممنهجة (Ecocide) تهدف إلى قتل الحياة الطبيعية ومنع إعادة إعمار المجتمع الفلسطيني.
شهادات حول العقاب الجماعي والتجويع المتعمّد
وعرض الادعاء شهادات مباشرة ومكتوبة من غزة، تحدّثت عن العقاب الجماعي المتمثل في هدم منازل بكاملها وقتل عائلات بأكملها، واستهداف الصيادين والمزارعين، ومنع وصول المساعدات، إلى جانب تدمير ميناء غزة بنسبة 95% خلال الأيام الأولى من الحرب. وأكّدت الشهادات أن هذه الأفعال تمثّل سياسة ممنهجة لخلق مجاعة واسعة النطاق عبر منع الغذاء والماء وإتلاف المحاصيل وتدمير البنية التحتية الزراعية.
كما قدّمت الطبيبة ديانا نزال تقييماً طبياً لحالات سوء التغذية الحاد الناجمة عن تجويع السكان، موضحة آثار ذلك على الأطفال والنساء، ومؤكدة أن المساعدات الإنسانية كانت تُستغل أحياناً في إطار عمليات الاستهداف، ما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
مداخلات الخبراء: ما يتجاوز الإبادة إلى "الإبادة الشاملة"
اتفق خبراء القانون والبيئة على أن الجرائم المرتكبة لا تقتصر على الإبادة الجماعية والبيئية، بل تمثّل ما وصفه المدعي العام يان فيرمون بـ "الإبادة الشاملة Metacide"؛ أي تدمير كل شيء: الإنسان والبيئة والبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يحرم الشعب الفلسطيني من القدرة على الحياة أو إعادة البناء.
الحكم النهائي وردود الفعل
خلصت هيئة المحلفين بعد مداولاتها إلى إدانة إسرائيل والولايات المتحدة والدول المتواطئة بارتكاب الجرائم الموصوفة في القانون الدولي، مؤكدة أن الأدلة المقدمة تفوق المعايير المطلوبة لإثبات القصد الجنائي والنية المسبقة.
وعقب النطق بالحكم، صدحت القاعة بهتافات: "حرية، حرية لفلسطين"، فيما أعلن المنظمون أنهم سيستخدمون الحكم كأداة لتعزيز الضغط الدولي الشعبي والسياسي بهدف تحقيق العدالة والمساءلة ومناهضة الإفلات من العقاب.
خطوات ما بعد الحكم
توجه وفد من المحكمة والناشطين إلى القنصلية الإسرائيلية في برشلونة لتسليم نسخة من الحكم، إلا أن القنصلية رفضت استلامه. وأكّد المنظمون أن الحكم يشكّل خطوة أولى نحو بناء جبهة شعبية دولية لإسناد نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقه في تقرير المصير، ووقف جميع أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي للاحتلال.
كما أعلنت المحكمة عن سلسلة فعاليات وحملات في الأشهر المقبلة لمتابعة العمل على توثيق الجرائم وتعزيز التضامن الدولي.
ويذكر ان جلسات المحكمة انطلقت في نوفمبر الفائت في مدينة برشلونة – كتالونيا (إسبانيا). كمبادرة من العربية لحماية الطبيعةAPN ، والرابطة الأممية لنضالات الشعوب (ILPS)، والرابطة الدولية للمحامين الديمقراطيين، والتحالف العالمي للسيادة على الغذاء، وبدعم من الجبهة الشعبية الأممية (IPF).
وضمت هيئة المحلفين المشاركة في المحاكمة شخصيات دولية بارزة، من بينها عبد السلام كليتشي، عضو الحزب الأخضر الفرنسي، والمحامية الدولية بشرى خليل، والمحامية التركية سيرين أويصال، والناشط السياسي العالمي ديفيد منوفيز، ومحامي حقوق الإنسان إيراتشي أوريثار، إلى جانب رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في أوترخت سابقاً يوريس فيركامن، والعالمة البيطرية ساغاري رامداس.
للاطلاع على البيان الرسمي الصادر من المحكمة باللغة الإنجليزية من الرابط هنا.