رزان زعيتر: النكبة مشروع استعماري مستمر والمقاومة طريق التحرير والعودة | العربية لحماية الطبيعة
Image

العربية لحماية الطبيعة| zoom

13 أيار/مايو 2026

 

خلال مشاركتها في الندوة الإلكترونية "المقاومة حتى العودة: الذكرى الـ 78 ليوم النكبة"، التي نظمتها جمعية الصداقة الفلبينية – الفلسطينية أكدت رئيسة العربية لحماية الطبيعة ومؤسسة الشبكة العربية للسيادة على الغذاء، رزان زعيتر، أن النكبة الفلسطينية ليست حدثاً تاريخياً انتهى قبل 78 عاماً، بل مشروع استعماري استيطاني متواصل يتجسد اليوم بأبشع صوره عبر الإبادة الجماعية والتجويع والتدمير الممنهج للإنسان والأرض والموارد الفلسطينية.

وقالت في كلمتها:

" تمرّ اليوم 78 عاماً على النكبة المستمرة. وبينما يقدّم شعبنا الدماء في معركة التحرر، فإننا نكرّم تضحياته عبر التمسك الثابت ببوصلة التحرير وعدم الحياد عنها قيد أنملة. تمثل فلسطين الوجه الأكثر وحشية للاستعمار الاستيطاني: إبادة جماعية، وإبادة بيئية، وتجويع قسري. هذه الأدوات، وما يحركها من شهوة صهيونية للموت والهيمنة، جرى تمكينها عبر صمت الشمال الاستعماري، وتسليحه، وأكاذيبه، وتحالفاته.

في عام 1948، اقتُلع 800 ألف فلسطيني من أرضهم، ودُمّرت ونهبت 530 قرية، واستُشهد أكثر من 15 ألف فلسطيني دفاعاً عن وطنهم، لتُزرع فينا جذوة غضب مقدّس أشعل كراهيتنا المتجذرة للظلم، تلك التي سبقت النكبة بسنوات طويلة وستبقى بعدها بزمن أطول.

لقد تبعت خطى عصابات الموت الصهيونية في عام 1948 آثارَ المشروع الاستعماري الذي بدأ عام 1799، حين تصوّر نابليون لأول مرة إقامة كيان يهودي في فلسطين ضمن مخططاته الاستعمارية. وقد تبنّت الإمبريالية هذه الفكرة ورعتها؛ فمارس الصهاينة ضغوطهم في بريطانيا عام 1840، وموّلت النخب اليهودية الفرنسية أولى المستعمرات الزراعية في فلسطين عام 1870، وأسهمت لاحقاً في بناء القدرات النووية للاحتلال. أما مشروع "الوطن القومي اليهودي" الذي صيغ في سويسرا عام 1897، فقد حوّلته بريطانيا إلى واقع سياسي عبر وعد بلفور عام 1917. وبصفته "حاملة طائرات أمريكية" معلنة، وقاعدة متقدمة لما يسمى "الحضارة الأوروبية"، فإن الكيان الصهيوني هو اختراع عابر للحدود، ينبض بإيقاع الإبادة داخل فلسطين وخارجها.

لقد شقّت النكبة جرحاً عميقاً في أرضنا المقدسة. وكان رهانهم أن يتعفن هذا الجرح في جسد المنطقة عبر إشعال الحروب وصناعة الخراب، أو عبر استغلال جشع بعض القوى الإقليمية الثرية لتأمين الحلفاء وتطبيع الوجود الصهيوني داخل أوطانهم. فالغاية النهائية هي تحييد أي مقاومة لمشروع "إسرائيل الكبرى" الممتد من النيل إلى الفرات، وقد موّلت الحروب الكبرى في المنطقة وخيضت خدمةً لهذا المشروع.

انظروا إلى إيران؛ كيف يمكن لرئيس قلب الإمبريالية أن يهدد حضارة كاملة بالإبادة؟ لقد جرى ذلك عبر عقود من صناعة القبول الغربي والصهيوني لشيطنة السيادة الثورية الإيرانية. ففي عام 1953، أُطيح برئيس وزراء إيران لأنه حاول تأميم النفط، الذي جرى تحويله لاحقاً لخدمة الكيان الصهيوني ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تحت حكم تابع. لكن الثورة الإيرانية استعادت زمام المصير، وقطعت شرايين النفط عن القواعد الاستعمارية، وجعلت مقاومة الظلم واجباً دستورياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فجاء الرد عبر العقوبات والحروب العدوانية التي تُشنّ بذريعة "تحرير" الشعب الإيراني، غير أنها واجهت وحدة لا تنكسر واستعداد عسكري راسخ. إنها الحروب ذاتها التي تُخاض باسم "الحرية" المزعومة.

وقد تعامل المستعمرون مع كل ذلك باعتباره ضمانة إلهية لإفلاتهم من العقاب؛ إذ إن وجود الكيان الصهيوني يؤدي وظيفة تطبيع الاستعمار الاستيطاني عالمياً، والحفاظ على قابلية توسعه وتمدده.

إنه عالم باتت فيه كل الأشياء مباحة للنهب: الأجساد، والعمل، والأرض، والموارد. فمن كوبا وفنزويلا إلى غرينلاند وإيران والسودان وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن، لا يسعون فقط إلى الانقلابات، بل إلى تفكيك المجتمعات نفسها، في محاولة لإجهاض التحول الحتمي نحو عالم متعدد الأقطاب.

لكن الغشاوة سقطت عن أعين الشعوب، التي نهضت في كل أنحاء العالم بمقاومة مدهشة، رافضة الاستسلام لليأس بينما تحاول نخب الاستغلال العالمية توسيع الفجوة بين الوعي والفعل.

انظروا إلى أحرار العالم ومحور المقاومة الذين يمهّدون لهذا التحول التاريخي. إن تضحياتهم عصيّة على الوصف، وستظل محفورة في الذاكرة. فرغم القوة التدميرية التي تعادل 13 قنبلة هيروشيما أُلقيت على غزة، ورغم سرقة مئات آلاف الأرواح والمستقبل، فإن الصهاينة وداعميهم ظلوا أقل شأناً إنسانياً وأخلاقياً وصموداً من المقاومة الفلسطينية؛ من الطالب الذي يصل إلى صفه داخل خيمة مدمرة، إلى المقاتلين الذين يرفضون نزع سلاحهم كشرط زائف لـسلام قائم على الإبادة.

وفي لبنان، يتخبط الجيش الاستعماري، الذي لم يتقن سوى القصف الجوي وقتل المدنيين العزّل، أمام العبقرية العسكرية للمقاومة، حيث أُجبر جيش الاحتلال على التراجع من أجزاء من الجنوب، ويواجه اليوم أزمة حادة بسبب النقص الكبير في قوات الاحتياط. أما في إيران، فعلى الرغم من استهداف البنية التحتية المدنية من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وحلفائهما، فقد شكّل الشعب سلاسل بشرية دفاعاً عن أرضه وسيادته الثورية. ومع محور المقاومة، تمكنوا من شلّ القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتقويض نظام "البترودولار" الذي استُخدم لفرض العقوبات علينا. إن نظاماً عالمياً متحرراً من الاستعمار ليس ممكناً فحسب، بل بدأ يتجذر بالفعل.

علينا جميعاً أن نحافظ على هذا الزخم وأن نحوّل المقاومة إلى فعل مؤسسي دائم. ففي منظمتنا، "العربية لحماية الطبيعة"، دعمنا 38 ألف مزارع في فلسطين ولبنان والأردن ضمن مسار المقاومة الخضراء. كما أنتجنا 11 مليون كيلوغرام من الخضروات في غزة بالشراكة مع 987 مزارعاً، فكسرنا الحصار الإبادي من الداخل. وهذا لا يرسّخ بقاء شعبنا في أرضه، متحرراً ومكتفياً وذا سيادة فحسب، بل يؤسس أيضاً لمسار عملي نحو التحرير والعودة.

إلى رفاقنا في الفلبين، يشرفنا أن نقف إلى جانبكم في هذه المعركة، ونستلهم من مقاومتكم. نحن ندرك أنكم تواجهون الصهيونية على أرضكم أيضاً، تلك التي رعّتها الهيمنة الأمريكية الجديدة. ونعلم حجم معركتكم مع دولة تبادلت تدريبات مكافحة التمرد والأسلحة مع الكيان الصهيوني، وتستقبل مجرمي الإبادة على أراضيها، وتحاول عبر التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية اختراق مزارعكم، فيما يسعى الصهيونية المسيانية عبثاً إلى تسميم عقول وقلوب شعبكم. لكنكم أيضاً ستكسرون الحصار من الداخل.

إننا نقف معكم في تتبع واقتلاع البصمات الصهيونية والاستعمارية الجديدة من اقتصاداتكم ومؤسساتكم. وفي جهودكم الحيوية ضمن حركة المقاطعة BDS، احتفوا بالنجاحات وقدموا بدائل عملية تتيح للجميع الانخراط في المقاومة وتجسيدها في حياتهم اليومية. ومعاً، علينا اغتنام هذه اللحظة التاريخية لتعزيز التكامل بين شعوب الجنوب عبر الروابط الاقتصادية والثقافية مع الدول الخاضعة للعقوبات والمقاومة للاستعمار. كما نقف معكم في مواجهة التلقين الاستعماري عبر المؤسسات الدينية، وندعوكم للتواصل مع الكنائس في فلسطين ولبنان، لترميم الانقسام الروحي الذي صنعته الصهيونية المسيحية.

إنها معركتنا الجماعية لتحرير الأرض، والقلب، والروح من الاستعمار.
وسننتصر.