العربية لحماية الطبيعة تقاوم الاستعمار عبر سلاح الغذاء والبيئة | العربية لحماية الطبيعة
الصورة

توسّع مشروع "إحياء مزارع غزة" ليشمل زراعة أشجار الزيتون والقمح

بقدرة تدميرية تعادل أكثر من 13 قنبلة بحجم قنبلة هيروشيما، ألحق الاحتلال أضرارًا بما لا يقل عن 87% من الأراضي الزراعية، و87% من الآبار الزراعية، ومعظم البنية التحتية الخاصة بصيد الأسماك وتربية المواشي في قطاع غزة. فالقصف هو وجه من وجوه الإبادة الجماعية؛ أما الوجه الآخر فهو الحصار المفروض على البذور ومدخلات الإنتاج الزراعي الأساسية التي تحمل إمكانات إعادة الحياة. والنتيجة هي أسرع حملة تجويع مسجّلة في التاريخ الحديث.

ورغم 18 عامًا من الحصار والهجمات المتتالية التي سبقت الإبادة، ظلّ مزارعو غزة قادرين على تحقيق درجة استثنائية من الاكتفاء الذاتي، إذ كانوا ينتجون 44% من احتياجات الغذاء المحلي قبل أكتوبر 2023. وقد وقفت العربية لحماية الطبيعة إلى جانبهم خلال تلك السنوات، فزرعت 459 ألف شجرة فاكهة، وأعادت تأهيل البنية الزراعية ضمن نهج المقاومة الخضراء.

أُطلق مشروع "إحياء مزارع غزة" في مارس 2024 استكمالًا لمسار المقاومة الخضراء، واستجابة عاجلة لنداء المزارعين لزراعة أراضيهم. وبينما ركّزت الدول والجهات المانحة على المساعدات الإنسانية، رفضت العربية لحماية الطبيعة رواية "الاستحالة"، وعملت مع المزارعين على تسخير القدرات الزراعية المحلية في غزة لمواجهة منطق الحصار والتجويع.

حتى الآن، عقدت العربية لحماية الطبيعة شراكات مع  790 مزارعًا لإعادة تأهيل1,341  دونمًا من الأرض، وإنتاج أكثر من سبعة ملايين كيلوغرام من الخضروات. كما أعادت تأهيل البنية التحتية الزراعية الأساسية، بما فيها البيوت البلاستيكية والآبار، ووزّعت شباك الصيد، والدواجن، وسلال المنتجات الطازجة ضمن مبادرة "من المزارع المحاصر إلى العائلة المحاصرة". وساهمت هذه الجهود في زيادة وفرة المنتجات الطازجة، ما خفّض الأسعار في الأسواق؛ فانخفض سعر الطماطم مثلًا من 80 شيكلًا إلى 30، والباذنجان من 30 إلى 18.

وتقوم  العربية لحماية الطبيعة حاليًا بزراعة  90 دونمًا إضافيًا، وبدأت غرس  30,000 شجرة زيتون، إلى جانب تنفيذ نظام بذور الدوارة يقوم على إعادة توزيع البذور المجمّعة من كل حصاد إلى مزارعين آخرين، مما يعزّز منظومة الغذاء المحلية في غزة من جميع الجوانب.

وبعد وقف إطلاق النار، تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن  37% من الأراضي الزراعية المتضررة أصبحت قابلة للوصول، مع توفر  6,000 دونم جاهزة للزراعة الفورية. وتؤكد العربية لحماية الطبيعة جاهزيتها لتنسيق جهود إعادة بناء منظومات الغذاء المحلية المقاومة ليس فقط لسلاح التجويع المباشر، بل أيضًا لبُنى التهجير التي تُفرض تحت غطاء "التهدئة" و"خطط السلام".

 

 

في الضفة الغربية: مشروع "صمود" في مواجهة السياسات الاستيطانية

يسارع الاحتلال إلى تفريغ القرى الفلسطينية وعزلها. فمنذ أكتوبر 2023، تضررت  48,728 شجرة، وتم مصادرة  55 ألف دونم من الأراضي، وأُنشئت 25  منطقة عازلة. كما أصبحت عمليات إغلاق القرى بالكامل واقعًا متكررًا لجعل حياة الفلسطينيين غير محتملة ودفعهم نحو التهجير. فمن خلال خنق الوصول إلى الأرض والمياه ومدخلات الزراعة، يستطيع الاحتلال هندسة ظروف تجويع سريع، على غرار التكتيكات المستخدمة في غزة.

أطلقت العربية لحماية الطبيعة وداعمُوها مشروع "زراعة الصمود في الضفة الغربية" لمواجهة هذا الواقع، عبر إنشاء منظومات غذاء محلية مصمّمة بدقة، شاملة، ومكتفية ذاتيًا في القرى المعرّضة لخطر الخنق.

وقال مزارعو القرية النموذجية للمشروع:
"
لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان. إذا قرروا (جيش الاحتلال) إغلاق الطريق، فلن تتمكن من الذهاب لأي مكان، لذلك لا بدّ للمرء أن يجد طريقة ليكون مكتفيًا ذاتيًا."

القرية النموذجية محاصرة بـ 15 مستوطنة، وتتعرض لعنف متواصل من المستوطنين وقوات الاحتلال، قد يشمل إغلاقًا كاملًا للقرية. واستجابة للحاجة الملحّة لتعزيز منظومات الغذاء المحلية، دعمت العربية لحماية الطبيعة  زراعة البساتين، وقدمت للحدائق المنزلية أنظمة ري وتسميد مائي، وخزانات مياه، ووحدات دواجن، إلى جانب تدريب زراعي بيئي يستند إلى الموارد المحلية. كما أعاد المشروع تأهيل 11  بئرًا مائيًا، بينها بئر روماني مشترك، لتأمين مصادر المياه في مواجهة سياسة التجويع الممنهجة.

وأكد مجلس القرية:
"
لم يكن هذا المشروع دعمًا ماديًا ضروريًا فحسب؛ بل حمل قيمة معنوية ورسالة إنسانية تجسّد الالتزام بخدمة الناس وتمكينهم."

وبناءً على نجاح القرية النموذجية، توسّع المشروع ليشمل قريتين جديدتين، تقع كلتاهما في المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإدارية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة، وضمن "رؤية القدس الكبرى" ، حيث أن توسع البنية الاستيطانية في كتلة غوش عتصيون يخنق الحياة وسبل العيش. وقد أُنشئ بؤرة استيطانية للرعاة بين القريتين، ما شلّ حركة السكان واستولوا على أراضٍ زراعية ثمينة—وهي خطوة متكررة تسبق عادة مخططات الضم.

استند المشروع إلى إرث القرى المقاوم وخبراتها الزراعية المتجذرة، وقدّم دعمًا مصمّمًا بعناية لتعزيز الصمود. فتم تركيب شبكات ريّ، وترميم نبع مائي حيوي لمواجهة سياسة الاحتلال في سرقة المياه وتحويلها للمستوطنات. كما أُنشئت حدائق منزلية تشمل البذور، وأنظمة المياه، والخزانات، والسماد، ومستلزمات الزراعة، والدواجن، لتمكين إنتاج الغذاء محليًا.

وسيبدأ قريبًا تنفيذ زراعة البساتين في القريتين، لتكون درعًا في مواجهة مصادرة الأراضي، ومصدرًا حيويًا للغذاء والدخل، وخاصة بعد إلغاء الاحتلال  120,000 تصريح عمل للفلسطينيين منذ أكتوبر 2023. كما يجري إعداد جلسات تدريب زراعي بيئي لتطوير منظومات غذاء قادرة على الصمود في وجه سياسات الحصار.

ورغم عدم توفر التمويل الكامل بعد لإنشاء البرك الزراعية، يواصل المشروع توسعه ليشمل ثلاث قرى إضافية وهو حاليًا في مرحلة التصميم.

يعزز مشروع "زراعة الصمود في الضفة الغربية " شبكة استراتيجية من القرى معاً لتبقى ثابتة في سعيها نحو السيادة على الغذاء والمياه، وحماية الأرض من المصادرة، وتقليل الاعتماد على اقتصاد الاحتلال، وحفظ الأمل في البقاء على الأرض.

 

بذور الصمود والعودة

في مختلف أنحاء فلسطين التاريخية، يواصل الاحتلال تسليح الغذاء والأنظمة البيئية التي تُبقي الحياة ممكنة، في سياق مشروعه الاستعماري القائم على الإحلال والمحو.

من المزارعين الذين يحصدون الملوخية تحت أنقاض غزة، إلى كروم العنب التي تحمل ثمارها في ظلال جدران المستوطنات في الضفة الغربية، تقف العربية لحماية الطبيعة مع الفلسطينيين في الحياة والمقاومة والعودة.

وكما قال أحد مزارعي الصمود:
"
لو دفعوا لنا الملايين، فلن يجعلونا نتحرك سنتيمترًا واحدًا. يكفينا أن نأتي، أنا وزوجتي وأطفالي، لنشمّ رائحة غصن الميرمية."