بعد عام من الاعداد انطلقت في مدينة برشلونة – كتالونيا (إسبانيا) يومي 22 و23 نوفمبر جلسات المحكمة الشعبية الدولية حول التجويع القسري والإبادة البيئية في فلسطين، كمبادرة مستقلة أطلقتها العربية لحماية الطبيعة، والرابطة الأممية لنضالات الشعوب (ILPS)، والرابطة الدولية للمحامين الديمقراطيين، والتحالف العالمي للسيادة على الغذاء، وبدعم من الجبهة الشعبية الأممية (IPF).
وتهدف المحكمة إلى توثيق وتقييم الانتهاكات البيئية وتسليح الغذاء والانتهاكات الإنسانية المرتبطة بما يجري في فلسطين، من خلال الاستماع إلى شهادات شهود عيان وخبراء في القانون الدولي والبيئة والعمل الإنساني، ضمن إطار شعبي مستقل يلتزم بالمعايير الدولية لحماية البيئة والحق في الغذاء أثناء النزاعات المسلحة.
ندوات تمهيدية وتعميق الإطار القانوني والحقوقي
سبق انعقاد جلسات المحكمة تنظيم سلسلة من الندوات التمهيدية ضمن فعاليات المحاكمة الشعبية العالمية من أجل فلسطين، شارك فيها فريق العربية لحماية الطبيعة، وهدفت إلى تعميق النقاش القانوني والبيئي والحقوقي حول الجرائم المرتكبة، وتوسيع فهم الجمهور الدولي للسياقات التي أدت إلى انعقاد المحكمة في هذا التوقيت المفصلي.
وخلال هذه الندوات، قدّمت المحامية فرح عماد مداخلة قانونية متخصصة حول مفهوم الإبادة البيئية، استعرضت فيها الإطار القانوني الدولي وآليات إثبات هذا النوع من الجرائم، رغم غياب الاعتراف الرسمي بها حتى الآن، مع الإشارة إلى سوابق تاريخية في فيتنام وإندونيسيا، ومقارنتها بما يجري في فلسطين.
كما ناقشت الباحثة غابرييلا نيوبرت في ندوة أخرى دور الشباب العالمي في دعم القضية الفلسطينية، وتنوّع أشكال المقاومة وشرعيتها، مسلّطة الضوء على تجربة العربية لحماية الطبيعة فيما يُعرف بـ “المقاومة الخضراء” كنموذج يربط بين النضال البيئي والتحرر الوطني.
وفي قراءة شاملة للوضع الميداني، أكدت ليسا شاهين، منسقة البحث والمناصرة، أن القتل لم يتوقف بعد ما سُمّي بـ “وقف إطلاق النار”، وأن المساعدات الإنسانية لم تتحسن، بل أعيدت هيكلة أنماط الإبادة بوسائل جديدة، مع تصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية، ما يجعل توقيت المحكمة بالغ الأهمية.
وأكدت رئيسة العربية لحماية الطبيعة رزان زعيتر في الندوة الختامية أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني ليس «نزاعًا» عابرًا، بل منظومة متكاملة من الاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية والإبادة البيئية والتجويع القسري، جرى إنكار توصيفها لعقود عبر سرديات استعمارية هدفت إلى نزع الشرعية عن المقاومة والتقليل من عمق التاريخ الفلسطيني وتجذّره في الأرض.
لمزيد من التفاصيل من هنا.
الجلسة الافتتاحية: الإطار العام للاتهامات
في الجلسة الافتتاحية للمحكمة، ألقت رئيسة العربية لحماية الطبيعة رزان زعيتر كلمة أوضحت فيها أهداف المحكمة ومنهجيتها، مؤكدة أن ما يجري في فلسطين ليس سلسلة انتهاكات منفصلة، بل منظومة متكاملة من العنف الاستعماري الممنهج، يُستخدم فيها الغذاء والبيئة كسلاح لإخضاع الشعب الفلسطيني وسحق إمكانية بقائه.
وشددت زعيتر على أن التدمير المتعمد للتربة والمياه، ومنع إدخال البذور، وتجريف الحقول، وتحويل الطبيعة إلى أداة حصار، يشكّل ملامح إبادة بيئية وتجويع قسري يهدفان إلى قتل الحاضر ومنع المستقبل، معتبرة المحكمة الشعبية فعلاً من أفعال المقاومة المعرفية والتوثيقية في مواجهة فشل المنظومة الدولية.
للاستماع للكلمة الافتتاحية من هنا.
وقائع الجلسات: شهادات وأدلة
في اليوم الأول من جلسات الاستماع، استعرضت المحكمة شهادات 11 خبيراً وشاهداً من منظمات حقوقية وخبراء قانون دولي ومسؤولين فلسطينيين، وثّقت تدمير البيئة الطبيعية في غزة، بما يشمل الأراضي الزراعية، والمياه الجوفية، والمنشآت الحيوية، وفرض حصار شامل يمنع الغذاء والماء والدواء.
أما في اليوم الثاني، فقد استمعت المحكمة إلى خمس شهادات إضافية ركّزت على تعمّق الجرائم، خصوصاً استهداف النساء ومراكز الرعاية الصحية، وحرمان السكان من الخدمات الطبية بهدف تقويض القدرة الديموغرافية للفلسطينيين. وقدّم خبراء في البيئة والصحة أدلة وُصفت بالقطعية على حدوث إبادة بيئية ممنهجة (Ecocide) تهدف إلى قتل الحياة الطبيعية ومنع إعادة إعمار المجتمع الفلسطيني.
التجويع والعقاب الجماعي
وعرض الادعاء شهادات مباشرة ومكتوبة من غزة حول العقاب الجماعي، شملت هدم أحياء كاملة، وقتل عائلات بأكملها، واستهداف الصيادين والمزارعين، ومنع وصول المساعدات، إضافة إلى تدمير ميناء غزة بنسبة 95% خلال الأيام الأولى من الحرب. وأكدت الشهادات أن هذه الأفعال تمثل سياسة ممنهجة لخلق مجاعة واسعة النطاق.
وقدّمت الطبيبة ديانا نزال تقييماً طبياً لحالات سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال والنساء، محذّرة من آثار طويلة الأمد، ومشيرة إلى استغلال المساعدات الإنسانية في بعض الأحيان ضمن عمليات الاستهداف، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
من الإبادة إلى “الإبادة الشاملة”
اتفق خبراء القانون والبيئة على أن الجرائم المرتكبة لا تقتصر على الإبادة الجماعية والبيئية، بل ترقى إلى ما وصفه المدعي العام يان فيرمون بـالإبادة الشاملة، أي تدمير الإنسان والبيئة والبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يحرم الشعب الفلسطيني من القدرة على الحياة أو إعادة البناء.
الحكم النهائي: إدانة إسرائيل وداعميها
في ختام الجلسات، أصدرت المحكمة الشعبية الدولية من أجل فلسطين حكمها النهائي، معتبرة إسرائيل الفاعل الرئيسي لجرائم الإبادة الجماعية والإبادة البيئية والتجويع القسري بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وأدانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا والمجر وجهات أخرى بتهمة التواطؤ والمشاركة في تمكين هذه الجرائم عبر الدعم السياسي والعسكري واللوجستي.
وأكدت هيئة المحلفين أن الأدلة المقدمة تفوق المعايير المطلوبة لإثبات القصد الجنائي والنية المسبقة وفق القانون الدولي.
للاطلاع على البيان الرسمي الصادر من المحكمة باللغة الإنجليزية من الرابط هنا.
ردود الفعل وخطوات ما بعد الحكم
عقب النطق بالحكم، دوّت في القاعة هتافات “حرية، حرية لفلسطين”، وأعلن المنظمون أن الحكم سيُستخدم كأداة ضغط شعبي وسياسي لتعزيز المساءلة ومناهضة الإفلات من العقاب.
وتوجه وفد من المحكمة والناشطين إلى القنصلية الإسرائيلية في برشلونة لتسليم نسخة من الحكم، إلا أن القنصلية رفضت استلامه. وأكد المنظمون أن هذه الخطوة تمثل بداية لبناء جبهة شعبية دولية داعمة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ووقف جميع أشكال الدعم للاحتلال.
كما أعلنت المحكمة عن سلسلة فعاليات وحملات خلال الأشهر المقبلة لمواصلة توثيق الجرائم وتعزيز التضامن الدولي، وتحويل نتائج المحكمة إلى أدوات عملية للمساءلة القانونية والإعلامية والشعبية.